نصر حامد أبو زيد
85
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
تفسير هذه الظاهرة ، وفي تصنيف مضمون الوحي ، هل هو شعر أم سحر أم كهانة أم جنون ، لجأوا إلى أحبار اليهود ، فأرسلوا النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط : وقالوا لهما : سلاهم عن محمد ، وصفا لهم صفته ، وأخبراهم بقوله ، فإنهم أهل الكتاب الأول ، وعندهم علم ليس عندنا من علم الأنبياء . فخرجا حتى قدما المدينة ، فسألا أحبار اليهود عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ووصفا لهم أمره وأخبراهم ببعض قوله ، وقالا لهم : انكم أهل التوراة وقد جئنا لتخبرونا عن صاحبنا هذا ، فقالت لهم أحبار اليهود : سلوه عن ثلاث نأمركم بهن فان أخبركم بهن فهو نبي مرسل ، وان لم يفعل فالرجل متقوّل ، فروا فيه رأيكم . سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم ، فإنه كان لهم حديث عجب ، وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان . نبؤه ، وسلوه عن الروح ما هي ؟ فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه ، فإنه نبي ، وان لم يفعل فهو رجل متقوّل ، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم . . . فجاءوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقالوا : يا محمد أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول قد كانت لهم قصة عجب ، وعن رجل كان طوافا قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، وأخبرنا عن الروح ما هي ؟ فقال : فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : أخبركم بما سألتم عنه غدا ، ولم يستثن ، فانصرفوا عنه ، فمكث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم - فيما يذكرون - خمس عشرة ليلة لا يحدث اللّه اليه في ذلك وحيا ، ولا يأتيه جبريل ، حتى أوجف أهل مكة ، وقالوا : وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه ، وحتى أحزن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مكث الوحي عنه ، وشقّ عليه ما يتكلم به أهل مكة ، ثم جاءه جبريل من اللّه عز وجل بسورة أصحاب الكهف ، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم ، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف والروح « 1 » . وتمضي السيرة بعد ذلك في الكشف عن تفاصيل الرد على المشركين ، رابطة بين أحوال المشركين مع النبي من جهة وبين النص من جهة أخرى . إن السيرة لا تطرح تفسيرا لسبب نزول آية واحدة ، بل تربط بين سورة « الكهف » كلها وبين مرحلة من مراحل الدعوة في مكة . في هذه السورة نزلت القصة العجب قصة الفتية ، ونزلت قصة الرجل الطواف . وإذا كان الرد على سؤال الروح ورد في سورة أخرى فهذا أمر لا يقلل من مصداقية الرواية ، ذلك أن ترتيب النزول مغاير كما هو معروف لترتيب التلاوة في المصحف . إن السيرة هنا تطرح سبب النزول وتحدد من ثم مكية الآيات بطريقة أكثر ارتباطا
--> ( 1 ) الجزء الأول : ص 266 .